كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الْمَعْنَى أَنَّ حُكْمَ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ إِذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ كَحُكْمِ الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ، أَوْ مُلَامِسِ النِّسَاءِ وَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ فَعَلَى كُلِّ هَؤُلَاءِ التَّيَمُّمُ فَقَطْ، هَذَا مَا يَفْهَمُهُ الْقَارِئُ مِنَ الْآيَةِ نَفْسِهَا إِذَا لَمْ يُكَلِّفْ نَفْسَهُ حَمْلَهَا عَلَى مَذْهَبٍ مِنْ وَرَاءِ الْقُرْآنِ يَجْعَلُهَا بِالتَّكَلُّفِ حُجَّةً لَهُ مُنْطَبِقَةً عَلَيْهِ، وَقَدْ طَالَعْتُ فِي تَفْسِيرِهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ تَفْسِيرًا فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا غَنَاءً، وَلَا رَأَيْتُ قَوْلًا فِيهَا يَسْلَمُ مِنَ التَّكَلُّفِ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى الْمُصْحَفِ وَحْدَهُ فَوَجَدْتُ الْمَعْنَى وَاضِحًا جَلِيًّا، فَالْقُرْآنُ أَفْصَحُ الْكَلَامِ وَأَبْلَغُهُ وَأَظْهَرُهُ، وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ- مُفْرَدَاتِهَا وَأَسَالِيبَهَا- إِلَى تَكَلُّفَاتِ فَنُونِ النَّحْوِ وَغَيْرِهِ مِنْ فُنُونِ اللُّغَةِ عِنْدَ حَافِظِي أَحْكَامِهَا مِنَ الْكُتُبِ مَعَ عَدَمِ تَحْصِيلِ مَلَكَةِ الْبَلَاغَةِ- إِلَى آخِرِ مَا أَطَالَ بِهِ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى الْمُفَسِّرِينَ الَّذِينَ عَدُّوا الْآيَةَ مُشْكِلَةً؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْطَبِقْ عَلَى مَذَاهِبِهِمُ انْطِبَاقًا ظَاهِرًا سَالِمًا مِنَ الرَّكَاكَةِ وَضَعْفِ التَّأْلِيفِ، وَالتَّكْرَارِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ عَنْهَا أَعْلَى الْكَلَامِ وَأَبْلَغُهُ، وَإِذَا كَانَ رَحِمَهُ اللهُ قَدْ رَاجَعَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ تَفْسِيرًا رَجَاءَ أَنْ يَجِدَ فِيهَا قَوْلًا لَا تَكَلُّفَ فِيهِ، فَأَنَا لَمْ أُرَاجِعْ عِنْدَ كِتَابَةِ تَفْسِيرِهَا إِلَّا رُوحَ الْمَعَانِي وَهُوَ آخِرُ التَّفَاسِيرِ الْمُتَدَاوَلَةِ تَأْلِيفًا، وَصَاحِبُهُ وَاسِعُ الِاطِّلَاعِ فَإِذَا بِهِ يَقُولُ: الْآيَةُ مِنْ مُعْضِلَاتِ الْقُرْآنِ، وَوَاللهِ إِنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ مُعْضِلَةً وَلَا مُشْكِلَةً، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مُعْضِلَاتٌ إِلَّا عِنْدَ الْمَفْتُونِينَ بِالرِّوَايَاتِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ، وَعِنْدَ مَنِ اتَّخَذُوا الْمَذَاهِبَ الْمُحْدَثَةَ بَعْدَ الْقُرْآنِ أُصُولًا لِلدِّينِ يَعْرِضُونَ الْقُرْآنَ عَلَيْهَا عَرْضًا، فَإِذَا وَافَقَهَا بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ أَوْ بِتَكَلُّفٍ قَلِيلٍ فَرِحُوا وَإِلَّا عَدُّوهَا مِنَ الْمُشْكِلَاتِ وَالْمُعْضِلَاتِ؛ عَلَى أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْقَطْعِيَّةَ الْمَعْرُوفَةَ عَمَّنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الْأَصْلُ الْأَوَّلُ لِهَذَا الدِّينِ، وَأَنَّ حُكْمَ اللهِ يُلْتَمَسُ فِيهِ أَوَّلًا فَإِنْ وُجِدَ فِيهِ يُؤْخَذُ، وَعَلَيْهِ يُعَوَّلُ وَلَا يُحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى مَأْخَذٍ آخَرَ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الْتُمِسَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى هَذَا أَقَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذًا حِينَ أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَنِ؛ وَبِهَذَا كَانَ يَتَوَاصَى الْخُلَفَاءُ وَالْأَئِمَّةُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَقَدْ رَأَى الْقَارِئُ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ وَاضِحٌ فِي نَفْسِهِ لَا تَكَلُّفَ فِيهِ وَلَا إِشْكَالَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
سَيَقُولُ أَدْعِيَاءُ الْعِلْمِ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ: نَعَمْ إِنَّ الْآيَةَ وَاضِحَةُ الْمَعْنَى كَامِلَةُ الْبَلَاغَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْتُمْ، وَلَكِنَّهَا تَقْتَضِي عَلَيْهِ أَنَّ التَّيَمُّمَ فِي السَّفَرِ جَائِزٌ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْمَذَاهِبِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَنَا، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يَخْفَى مَعْنَاهَا هَذَا عَلَى أُولَئِكَ الْفُقَهَاءِ الْمُحَقِّقِينَ وَيُعْقَلُ أَنْ يُخَالِفُوهَا مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ لِظَاهِرِهَا أَرْجَعُوهَا إِلَيْهِ، وَلَنَا أَنْ نَقُولَ لِمِثْلِ هَؤُلَاءِ- وَإِنْ كَانَ الْمُقَلِّدُ لَا يُحَاجُّ؛ لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ- وَكَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغُ الْكَلَامِ وَأَسْلَمُهُ مِنَ التَّكَلُّفِ وَالضَّعْفِ مُعْضِلًا مُشْكِلًا؟ وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى بِالتَّرْجِيحِ: آلطَّعْنُ بِبَلَاغَةِ الْقُرْآنِ وَبَيَانِهِ لِحَمْلِهِ عَلَى كَلَامِ الْفُقَهَاءِ، أَمْ تَجْوِيزُ الْخَطَأِ عَلَى الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ الْمُلْتَئِمُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ الَّتِي مِنْهَا قَصْرُ الصَّلَاةِ وَجَمْعُهَا وَإِبَاحَةُ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، فَهَلْ يُسْتَنْكَرُ مَعَ هَذَا أَنْ يُرَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ فِي تَرْكِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ، وَهُمَا دُونَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فِي نَظَرِ الدِّينِ؟ أَلَيْسَ مِنَ الْمُجَرَّبِ أَنَّ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ يَشُقَّانِ عَلَى الْمُسَافِرِ الْوَاجِدِ لِلْمَاءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي سَهُلَتْ فِيهِ أَسْبَابُ السَّفَرِ فِي قِطَارَاتِ السِّكَكِ الْحَدِيدِيَّةِ وَالْبَوَاخِرِ؟ أَفَلَا يَتَصَوَّرُ الْمُنْصِفُ أَنَّ الْمَشَقَّةَ فِيهِمَا أَشَدُّ عَلَى الْمُسَافِرِينَ عَلَى ظُهُورِ الْإِبِلِ فِي مَفَاوِزِ الْحِجَازِ وَجِبَالِهَا؟ هَلْ يَقُولُ مُنْصِفٌ: إِنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ، أَوِ الْعَصْرِ أَرْبَعًا فِي السَّفَرِ أَسْهَلُ مِنَ الْغُسْلِ أَوِ الْوُضُوءِ فِيهِ؟ السَّفَرُ مَظَنَّةُ الْمَشَقَّةِ يَشُقُّ فِيهِ غَالِبًا كُلُّ مَا يُؤْتَى فِي الْحَضَرِ بِسُهُولَةٍ، وَأَشَقُّ مَا يَشُقُّ فِيهِ الْغُسْلُ وَالْوُضُوءُ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ حَاضِرًا مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا هَذِهِ الْجَوَارِي الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ، فَإِنَّ الْمَاءَ فِيهَا كَثِيرٌ دَائِمًا وَفِي كُلِّ بَاخِرَةٍ مِنْهَا حَمَّامَاتٌ، أَيْ: بُيُوتٌ مَخْصُوصَةٌ لِلِاغْتِسَالِ بِالْمَاءِ السَّخِنِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ، وَلَكِنَّهَا خَاصَّةٌ بِالْأَغْنِيَاءِ الَّذِينَ يُسَافِرُونَ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةِ، وَهَؤُلَاءِ الْأَغْنِيَاءُ مِنْهُمْ مَنْ يُصِيبُهُ دُوَارٌ شَدِيدٌ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَعَهُ الِاغْتِسَالُ أَوْ خَفِيفٌ يَشُقُّ مَعَهُ الِاغْتِسَالُ وَلَا يَتَعَذَّرُ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ السُّفُنُ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا مِنَ الْمَاءِ الْمُعَدِّ لِلِاسْتِحْمَامِ مَا لَمْ يَكُنْ يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي بَيْتِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ زَمَنَ التَّنْزِيلِ يَشُقُّ فِيهَا الِاغْتِسَالُ أَوْ يَتَعَذَّرُ، فَمَا قَوْلُكَ فِي الِاغْتِسَالِ فِي قِطَارَاتِ سِكَكِ الْحَدِيدِ أَوْ قَوَافِلِ الْجِمَالِ أَوِ الْبِغَالِ؟
أَلَا إِنَّ مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ غَفْلَةَ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذِهِ الرُّخْصَةِ الصَّرِيحَةِ فِي عِبَارَةِ الْقُرْآنِ، الَّتِي هِيَ أَظْهَرُ وَأَوْلَى مِنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ وَتَرْكِ الصِّيَامِ، وَأَظْهَرُ فِي رَفْعِ الْحَرَجِ وَالْعُسْرِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ الْأَحْكَامِ، وَاحْتِمَالُ رَبْطِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} بِقَوْلِهِ: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} بِعِيدٌ، بَلْ مَمْنُوعٌ أَلْبَتَّةَ- كَمَا تَقَدَّمَ- عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ فِي الْمَرْضَى؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ فَقْدِ الْمَاءِ فِي حَقِّهِمْ لَا فَائِدَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصِحَّاءَ مِثْلُهُمْ فِيهِ، فَيَكُونُ ذِكْرُهُمْ لَغْوًا يَتَنَزَّهُ عَنْهُ الْقُرْآنُ، وَنَقُولُ: إِنَّ ذِكْرَ الْمُسَافِرِينَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُقِيمَ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ يَتَيَمَّمُ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَوْلَا أَنَّ السَّفَرَ سَبَبٌ لِلرُّخْصَةِ كَالْمَرَضِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ؛ وَلِذَلِكَ عَلَّلُوهُ بِمَا هُوَ ضَعِيفٌ مُتَكَلَّفٌ، وَمَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا مِنْ فَقْدِ الْمَاءِ فِي السَّفَرِ، أَوِ الْمُكْثِ مُدَّةً عَلَى غَيْرِ مَاءٍ لَا يُنَافِي ذَلِكَ، رَوَوْا «أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي بَعْضِ أَسْفَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدِ انْقَطَعَ فِيهَا عِقْدٌ لِعَائِشَةَ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَالنَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَغْلَظَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَائِشَةَ، وَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ، فَلَمَّا صَلَّوْا بِالتَّيَمُّمِ جَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ إِلَى مَضْرِبِ عَائِشَةَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: مَا أَكْثَرَ بَرَكَتَكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ» رَوَاهُ السِّتَّةُ، وَفِي رِوَايَةٍ: «يَرْحَمُكِ اللهُ تَعَالَى يَا عَائِشَةُ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ فَرَجًا» فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ، وَهِيَ مِنْ وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ لَا حُكْمَ لَهَا فِي تَغْيِيرِ مَدْلُولِ الْآيَةِ، وَلَا تُنَافِي جَعْلَ الرُّخْصَةِ أَوْسَعَ مِنَ الْحَالِ الَّتِي كَانَتْ سَبَبًا لَهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهَا شَمِلَتِ الْمَرْضَى، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ أَنَّهُ كَانَ فِيهَا مَرْضَى شَقَّ عَلَيْهِمُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ، وَلَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ الْجَيْشِ كَانَ فَاقِدًا لِلْمَاءِ، وَلَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ التَّيَمُّمَ فِيهَا خَاصًّا بِفَاقِدِي الْمَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَمِثْلُهَا سَائِرُ الرِّوَايَاتِ الْمُصَرِّحَةِ بِالتَّيَمُّمِ فِي السَّفَرِ لِفَقْدِ الْمَاءِ الَّتِي هِيَ عُمْدَةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهَا مَنْقُولَةٌ بِالْمَعْنَى، وَهِيَ وَقَائِعُ أَحْوَالٍ مُجْمَلَةٍ لَا تَنْهَضُ دَلِيلًا، وَمَفْهُومُهَا مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَلاسيما فِي مُعَارَضَةِ مَنْطُوقِ الْآيَةِ، وَإِنَّنَا نَرَى رُخْصَةَ قَصْرِ الصَّلَاةِ قَدْ قُيِّدَتْ بِالْخَوْفِ مِنْ فِتْنَةِ الْكَافِرِينَ كَمَا سَيَأْتِي فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَنَرَى هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءَ كُلَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا فِيهَا بِمَفْهُومِ هَذَا الشَّرْطِ الْمَنْصُوصِ الَّذِي كَانَ سَبَبَ الرُّخْصَةِ، أَفَلَا يَكُونُ مَا هُنَا أَوْلَى بِأَلَّا يُشْتَرَطَ فِيهِ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ؟ وَرُوِيَ فِي سَبَبِ النُّزُولِ أَيْضًا أَنَّ الصَّحَابَةَ نَالَتْهُمْ جِرَاحَةٌ وَابْتُلُوا بِالْجَنَابَةِ فَشَكَوْا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ، وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنِ اغْتَسَلَ فِي السَّفَرِ بِمَشَقَّةٍ وَسَيَأْتِي.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ لِلْمُسَافِرِ بِلَا شَرْطٍ، وَلَا قَيْدٍ بَطَلَتْ كُلُّ تِلْكَ التَّشْدِيدَاتِ الَّتِي تَوَسَّعُوا فِي بِنَائِهَا عَلَى اشْتِرَاطِ فَقْدِ الْمَاءِ، وَمِنْهَا مَا قَالُوهُ مِنْ وُجُوبِ طَلَبِهِ فِي السَّفَرِ، وَمَا وَضَعُوهُ لِذَلِكَ مِنَ الْحُدُودِ كَحَدِّ الْقُرْبِ وَحَدِّ الْغَوْثِ، وَأَذْكُرُ أَنَّنِي عِنْدَمَا كُنْتُ أَدْرُسُ شَرْحَ الْمِنْهَاجِ فِي فِقْهِ الشَّافِعِيَّةِ قَرَأْتُ بَابَ التَّيَمُّمِ فِي شَهْرَيْنِ كَامِلَيْنِ لَمْ أَتْرُكِ الدَّرْسَ فِيهِمَا لَيْلَةً وَاحِدَةً، فَهَلْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَحَدَ الصَّحَابَةِ تَكَلَّمَ فِي التَّيَمُّمِ يَوْمَيْنِ أَوْ سَاعَتَيْنِ؟ وَهَلْ كَانَ هَذَا التَّوَسُّعُ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ وَالشُّرُوطِ وَالْحُدُودِ سَعَةً وَرَحْمَةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَمْ عُسْرًا وَحَرَجًا عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَا رَفَعَهُ اللهُ عَنْهُمْ؟.
إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا الْعَفُوُّ ذُو الْعَفْوِ الْعَظِيمِ، وَيُطْلَقُ الْعَفْوُ بِمَعْنَى الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ.
وَمِنْهُ فِي التَّنْزِيلِ: {خُذِ الْعَفْوَ} [7: 199]، وَفِي الْحَدِيثِ: «قَدْ عَفَوْتُ عَنْ صُدْفَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ»، أَيْ: أَسْقَطْتُهَا تَيْسِيرًا عَلَيْكُمْ، وَمِنْ عَفْوِهِ تَعَالَى أَنْ أَسْقَطَ فِي حَالِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ وُجُوبَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَمِنْ مَعَانِي الْعَفْوِ مَحْوُ الشَّيْءِ يُقَالُ: عَفَتِ الرِّيحُ الْأَثَرَ، وَيُقَالُ: عَفَا الْأَثَرُ (لَازِمٌ) أَيْ: أُمْحِيَ، وَمِنْهُ الْعَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ عَفَا عَنْهُ، وَعَفَا لَهُ ذَنْبَهُ، وَعَفَا عَنْ ذَنْبِهِ، أَيْ: مَحَاهُ، فَلَمْ يُرَتِّبْ عَلَيْهِ عِقَابًا، فَالْعَفْوُ أَبْلَغُ مِنَ الْمَغْفِرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ مِنَ الْغَفْرِ، وَهُوَ السَّتْرُ، وَسَتْرُ الذَّنْبِ بِعَدَمِ الْحِسَابِ وَالْعِقَابِ عَلَيْهِ لَا يُنَافِي بَقَاءَ أَثَرٍ خَفَيٍّ لَهُ، وَمَعْنَى الْعَفْوِ ذَهَابُ الْأَثَرِ، فَالْعَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ جَعْلُهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِأَلَّا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ فِي النَّفْسِ لَا ظَاهِرٌ وَلَا خَفِيٌّ، فَهَذَا التَّذْيِيلُ لِلْآيَةِ مُبَيِّنٌ مَنْشَأَ الرُّخْصَةِ وَالْيُسْرِ الَّذِي فِيهَا، وَهُوَ عَفْوُ اللهِ تَعَالَى، وَمُشْعِرٌ بِأَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْخَطَأِ فِي صَلَاةِ السُّكَارَى كَقَوْلِهِمْ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} مَغْفُورٌ لَهُمْ لَا يُؤَاخَذُونَ عَلَيْهِ، وَإِنَّنَا نَخْتِمُ تَفْسِيرَ الْآيَةِ بِمَسَائِلَ فِي أَحْكَامِ التَّيَمُّمِ لابد مِنْهَا.
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: مَعْنَى التَّيَمُّمِ اللُّغَوِيُّ وَالشَّرْعِيُّ:
قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ التَّيَمُّمَ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى الْقَصْدِ وَهُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ، قَالَ الْأَعْشَى:
تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وَكَمْ دُونَهُ ** مِنَ الْأَرْضِ مِنْ مَهْمَهٍ ذِي شَزَنْ

ثُمَّ صَارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً فِي الْعَمَلِ الْمَخْصُوصِ، وَهُوَ ضَرْبُ الْيَدَيْنِ بِوَجْهِ الْأَرْضِ، وَمَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِهِمَا، وَصَارُوا يَقُولُونَ: تَيَمَّمَ بِالتُّرَابِ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ، فَقَالَ:
تَيَمَّمْتُكُمْ لَمَّا فَقَدْتُ أُولِي النُّهَى ** وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً تَيَمَّمَ بِالتُّرْبِ

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ- مَحَلُّ التَّيَمُّمِ:
نَصُّ الْآيَةِ أَنَّ مَحَلَّهُ الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ، وَلَكِنَّ الْيَدَ تُطْلَقُ كَثِيرًا عَلَى مَا تُزَاوَلُ بِهِ الْأَعْمَالُ مِنَ الْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ وَحَدُّهَا الرُّسْغُ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: الْمَفْصِلُ الَّذِي يَرْبُطُ الْكَفَّ بِالسَّاعِدِ وَهِيَ الَّتِي تُقْطَعُ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ، وَتُطْلَقُ عَلَى الذِّرَاعِ مِنْ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إِلَى الْمِرْفَقِ، وَتُطْلَقُ عَلَى مَجْمُوعِ الذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ إِلَى الْإِبِطِ وَالْكَتِفِ؛ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَسْحِ الْيَدَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِيهِ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَإِنَّنَا نُلَخِّصُ ذَلِكَ مَعَ بَيَانِ الرَّاجِحِ فَنَقُولُ: جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا»، وَضَرَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ- وَسَيَأْتِي نَصُّهُ وَسَبَبُهُ وَمَا قِيلَ فِيهِ- وَفِي لَفْظٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ: إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِكَفَّيْكَ فِي التُّرَابِ، ثُمَّ تَنْفُخَ فِيهِمَا، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ إِلَى الرُّسْغَيْنِ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَمَكْحُولٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَعَامَّةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ.
أَقُولُ:
وَعَلَيْهِ الشِّيعَةُ الْإِمَامِيَّةُ أَيْضًا، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ احْتَجَّ لَهُ بِإِطْلَاقِ الْأَيْدِي فِي آيَةِ السَّرِقَةِ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا الْكَفَّانِ، وَرَدَّ الْحَافِظُ مَا أَوَّلَهُ بِهِ النَّوَوِيُّ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَهَذَا هُوَ عُمْدَةُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانَ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ الْقَطَّانِ، وَهُشَيْمٌ وَغَيْرُهُمَا، وَلَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ: إِنَّ الْمَسْحَ إِلَى الْإِبِطَيْنِ، وَبِهَا أَخَذَ الزُّهْرِيُّ، وَسَتَعْلَمُ مَا فِيهَا، وَلَفْظُ حَدِيثِ عَمَّارٍ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ وَلَمْ أَجِدْ مَاءً، فَقَالَ لَهُ: لَا تُصَلِّ، فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ، فَأَصَابَتْنَا جَنَابَةٌ فَلَمْ نَجِدِ الْمَاءَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدِكَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ»، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللهَ يَا عَمَّارُ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ، فَقَالَ: «نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ»: أَيْ: بَلْ نَكِلُكَ إِلَى مَا قُلْتَ وَنَرُدُّ إِلَيْكَ مَا وَلَّيْتَهُ نَفْسَكَ، وَذَلِكَ إِذْنٌ لَهُ بِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَالْإِفْتَاءِ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ الَّذِي لَا حُجَّةَ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَهُ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: قَوْلُهُ: بَابُ التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، أَيْ: هُوَ الْوَاجِبُ الْمُجْزِئُ، وَأَتَى بِذَلِكَ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ مَعَ شُهْرَةِ الْخِلَافِ فِيهِ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي صِفَةِ التَّيَمُّمِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي جَهْمٍ وَعَمَّارٍ، وَمَا عَدَاهُمَا فَضَعِيفٌ أَوْ مُخْتَلَفٌ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَالرَّاجِحُ عَدَمُ رَفْعِهِ، فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي جَهْمٍ فَوَرَدَ بِذِكْرِ الْيَدَيْنِ مُجْمَلًا، وَأَمَّا حَدِيثُ عَمَّارٍ فَوَرَدَ بِذِكْرِ الْكَفَّيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَبِذِكْرِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي السُّنَنِ، وَفِي رِوَايَةٍ إِلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ، وَفِي رِوَايَةٍ إِلَى الْآبَاطِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ الْمِرْفَقَيْنِ وَكَذَا نِصْفُ الذِّرَاعِ فَفِيهَا مَقَالٌ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْآبَاطِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ وَقَعَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُلُّ تَيَمُّمٍ صَحَّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ نَاسِخٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ وَقَعَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَالْحُجَّةُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ، وَمِمَّا يُقَوِّي رِوَايَةَ الصَّحِيحَيْنِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ كَوْنُ عَمَّارٍ كَانَ يُفْتِي بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ، وَرَاوِي الْحَدِيثِ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَلاسيما الصَّحَابِيُّ الْمُجْتَهِدُ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ وَهُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ.